منذ عرضه في مهرجان البندقية السينمائي في 10 أيلول، أثار فيلم "نازا" (اختصار لعبارة "أضرار جانبية" بالعبرية) اهتمامًا إعلاميًا واسعًا. يستند الفيلم إلى 24 شهادة لجنود وضباط إسرائيليين لم تُكشف هوياتهم، معظمهم من وحدة الاستخبارات العسكرية 8200، ويسلّط الضوء على سياسة القصف التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة منذ تشرين الأول 2023، موجّهًا إليها انتقادات حادّة. ومع بدء عرض الفيلم في دور السينما حول العالم، باستثناء إسرائيل، حاورت دنيا عباس الصحافي والمحرّر والناشط السياسي ميرون رابوبورت حول التحقيقات الصحافية التي استند إليها الفيلم، والتحدّيات التي تواجه الصحافيين في إسرائيل، والثمن الذي قد يدفعونه مقابل كشف الحقائق
أودّ البدء من وجهة نظرك بوصفك محرّرًا. هل يمكنك أن تشرح لنا العلاقة بين التقارير الاستقصائيّة المنشورة في “سيحا مكوميت” ومجلّة 972+ منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023 – على سبيل المثال، حول نظاميّ الذكاء الاصطناعيّ “الإنجيل” (غوسبل) و”لافندر“ وفيلم “نازا”؟ ما كان دورك، إن وُجد، في التحقيقات الاستقصائيّة التي شكّلت أساسًا للفيلم؟
نشر يوفال أفراهام منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023 أحد عشر تقريرًا استقصائيًّا في منصّة سيحا مكوميت تناولت سياسة إطلاق النار شديدة التساهل التي انتهجتها إسرائيل في غزّة. إلى جانب هذه التقارير، نُشرت عدّة تقارير استقصائيّة تناولت الجانب التكنولوجيّ والعلاقة بين وحدة الاستخبارات 8200 وشركات الهايتك الكبرى مثل مايكروسوفت، أمازون وغيرها، كما تناولت الهجوم على المحكمة الجنائيّة في لاهاي.
حرّرتُ هذه التحقيقات ورافقت سيرورة تطويرها منذ البداية، وسرعان ما أدركنا أنّ القصّة التي بين أيدينا مختلفة جوهريًّا وبديلة تمامًا عن القصّة التي روتها وسائل الإعلام الإسرائيليّة حول نهج عمل إسرائيل في غزّة. سرعان ما اتّضح لنا أنّ إسرائيل فعّلت أدوات ذكاء اصطناعيّ واستخدمتها في الحرب بشكلٍ مكثّف، سواءً في اختيار المباني التي قد يؤدّي هدمها إلى كسر الروح المعنويّة الفلسطينيّة – بمساعدة نظام “الإنجيل” (الغوسبل)؛ أو في اختيار البشر الذين قرّر الذكاء الاصطناعيّ أنّهم عناصر في حماس – بمساعدة نظام “لافندرتبيّن لنا أنّ تحديد قوائم الموت، أي من يستحقّ الحياة، والأهمّ من ذلك من يستحقّ الموت، جرى إلى حدّ كبير بواسطة الذكاء الاصطناعي.
صحيح أنّه كان هناك عامل بشريّ يتحقّق من القوائم، ولكن التحديد جرى أساسًا بمساعدة الذكاء الاصطناعيّ. سرعان ما اكتشفنا أيضًا أنّ عدد المدنيين الذين سمحت إسرائيل بقتلهم تحت مسمّى”الأضرار الجانبيّة” (“النازا” بلغة الفيلم)، أي المدنيّين غير المتورّطين بالحرب الذين سمحت إسرائيل بقتلهم، هي نسبة هائلة. على سبيل المثال، اكتشفنا أنّه مقابل تصفية أيّ ناشط منخفض الرتبة في حماس – بمن في ذلك أشخاص ربّما لم يعودوا اليوم في حماس، أو كانوا ناشطين سابقين، أو رجال شرطة، أو عملوا موظّفين في البلديّة – سُمح بقتل عشرين مدنيًّا غير متوّرط. للمقارنة، عندما صفّت الولايات المتّحدة أسامة بن لادن، كان هذا هو العدد نفسه من المدنيّين الذين سمحت الإدارة الأمريكيّة بقتلهم بوصفهم “أضرارًا جانبيّة”. أمّا فيما يتعلّق بشخصيّات أعلى رتبةً في حماس، فقد وصل عدد المدنيّين المسموح بقتلهم بوصفهم “أضرارًا جانبيّة” إلى المئات، مئتين أو ثلاثمئة مدنيّ. ونحن نعلم أنّ هذه الأعداد طُبّقت فعليًّا.
اكتشفنا أنّ المنازل الخاصّة كانت المكان الذي استُهدف فيه أشخاص اعتبرتهم إسرائيل تابعين لحماس. ليس لأنّه المكان الذي اختبأوا فيه، ولا لأنّهم أخفوا في منازلهم أسلحة، ولا لانّهم أداروا منها عمليّات عسكريّة، كلّا، بل ببساطة لأنّه المكان الذي ناموا . هذا، برأيي، يقلب الادّعاء الإسرائيليّ بأنّ عناصر حماس يختبئون خلف السكّان المدنيّين رأسًا على عقب.
اكتشفنا أنّ المنازل الخاصّة كانت المكان الذي استُهدف فيه أشخاص اعتبرتهم إسرائيل تابعين لحماس. ليس لأنّه المكان الذي اختبأوا فيه، ولا لأنّهم أخفوا في منازلهم أسلحة، ولا لانّهم أداروا منها عمليّات عسكريّة، كلّا، بل ببساطة لأنّه المكان الذي ناموا فيه. هذا، برأيي، يقلب الادّعاء الإسرائيليّ بأنّ عناصر حماس يختبئون خلف السكّان المدنيّين رأسًا على عقب. العكس هو الصحيح تمامًا.
استهدفتهم إسرائيل وهم بين المدنيّين لأنّه كان من الصعب استهدافهم أثناء تحرّكهم في ساحة المعركة؛ فذلك كان أكثر تعقيدًا وكلفة. كان من الأسهل استهدافهم في أماكن سكنهم وهم بين المدنيّين. هذه هي اللحظة التي استُهدفوا فيها، وليس العكس.
سرعان ما أدركنا أنّ القصّة التي ترويها مصادر التقارير الاستقصائيّة هي عكس القصّة التي ترويها وسائل الإعلام الإسرائيليّة، فاتّخذنا احتياطات تفوق بكثير الإجراءات المقبولة والمتّبعة في العمل الصحفيّ.
تقول القاعدة الذهبيّة في الصحافة إنّه يُسمح لك بالنشر عندما يكون لديك ثلاثة مصادر مختلفة تشهد على الخبر. في هذه الحالة، جمعنا مصادر أكثر بكثير، لأنّ القصّة بالغة الحساسيّة، والادّعاءات التي روتها المصادر بالغة الخطورة، إذ تتعلّق بقتل عائلات كاملة غير متورّطة في الحرب.
لهذا السبب، لم ننشر التحقيقات قبل الحصول على ستّ أو سبع أو ثماني شهادات متطابقة، وأحيانًا عشر شهادات، من أشخاص لا تربطهم أيّ صلة ببعضهم البعض…
أحد الانتقادات الموجّهة إلى التحقيقات وفيلم “نازا” يتعلّق بكون المصادر مجهولة الهويّة، ولذلك لا يمكن للجمهور العامّ فحص هويّتها والتحقّق من الشهادات بشكلٍ مستقلّ. إذن، ما تصفه الآن هو سيرورة التحقّق التي أجريتموها قبل النشر؟
بالتأكيد. أعتقد أنّ هذه الادّعاءات غير بريئة، على أقلّ تقدير، أو أنّها ببساطة غبيّة أو خبيثة، أو أنّها تأتي من أشخاص لا يفهمون ما الصحافة.
في الصحافة، وخصوصًا في كلّ ما يتعلّق بالحرب والجنود أثناء الحرب، من النادر أن تتحدّث المصادر علنًا وتكشف اسماءها، أي أن تتحدّث بما يُسمّى “On Record”. هذا يكاد يكون معدومًا. من يتحدّثون On Record هم الضبّاط ذوو الرتب العالية، مثل الفريق واللواء والعميد والعقيد وما إلى ذلك، وحتّى هؤلاء لا يفعلون ذلك دائمًا. نسبة ضخمة من الأخبار التي نشرها صحفيّون، كبارًا وصغارًا، في إسرائيل والعالم عن هذه الحرب، وعن الحروب الأخرى أيضًا، جاءت بصيغة “صرّح مصدر…”، “قال مصدر رفيع…”.
الادّعاء ضدّ إخفاء هويّة المصادر هو ببساطة ادّعاء سخيف، ولا يمتّ إلى واقع الصحافة بصلة. إذا سرّب لي أحد خبرًا من وزارة المواصلات عن فساد معيّن، وكان هذا المصدر لا يزال يعمل في الوزارة، فسيتحدّث معي شريطة إخفاء هويّته في 95% من الحالات، إن لم يكن 99% منها، وسأقارن ادّعاءاته بما يحدث على أرض الواقع.
قارنّا المعلومات التي وصلتنا من المصادر “مجهولة الهويّة” بالهجمات التي نُفّذت على الأرض، كما قارنّاها بشهادات فلسطينيّين متضرّرين، وبتصريحات علنيّة مختلفة. على سبيل المثال، في التحقيق الاستقصائيّ الأوّل الذي أجريناه، قال العميد تيشلر، الذي يشغل اليوم منصب قائد سلاح الجو الإسرائيليّ، أنّه لن يُعمل في هذه الحرب على غزّة بإجراء “الطرق على السطح”. بكلمات أخرى، لن يُوجّه أيّ تحذير للفلسطينيّين قبل تعرّضهم للهجوم. قال تيشلر هذا On Record.
ولأنّنا كنّا نعرف أنّ الموضوع بالغ الحساسيّة، وأنّ الاتّهامات خطيرة جدًّا، لم نكتفِ بشهادة شخص واحد قال لنا: “رأيت على الشاشة الرقم 300 ضرر جانبيّ، أي يمكن قتل ثلاثمئة مدتي بريء”، بل وصلنا إلى شخص آخر لا صلة له بالشاهد الأوّل كرّر الشهادة نفسها، ثمّ إلى شاهد آخر وآخر. عندها فقط تمكّنّا من النشر.
جزء كبير من التغطية الدوليّة يختزل القصّة بمقولة إنّ إسرائيل استخدمت الذكاء الاصطناعيّ في عمليّة اختيار من ستستهدفهم وتقصفهم. هل هذا الوصف دقيق، أم أنّه يخفي القرارات البشريّة الأهمّ؟ برأيك، أين تقع المسؤوليّة في هذه السلسلة – في التكنولوجيا، أمّ في المحلّل البشريّ، أم في الضابط، أم على مستوى صنّاع السياسات؟
هذا سؤال فلسفيّ تقريبًا. أعتقد أنّ الذكاء الاصطناعيّ يضع أمامنا تحدّيًا كبيرًا جدًّا. على سبيل المثال، الهجوم على المدرسة في إيران في بداية الحرب. بات شبه مؤكّد اليوم أنّ الذكاء الاصطناعيّ هو الذي اختار هذا الهدف. كانت المدرسة على مقربة من معسكرٍ تابعٍ للحرس الثوريّ الإيرانيّ، وعلى الأرجح كان عناصر الحرس يأخذون أولادهم إلى هذه المدرسة، ولذلك كانوا يدخلونها ويخرجون منها. من هنا، يبدو أنّ الذكاء الاصطناعيّ اختار هذا الهدف. من المسؤول عن هذا القرار؟ الشخص الذي غذّى الذكاء الاصطناعيّ بالبيانات؟ أم الذكاء الاصطناعيّ نفسه؟
يقول أشخاص أكثر خبرةً منّي إنّ هذا الأمر أشبه بالصندوق الأسود، أي أنّك تغذّي الذكاء الاصطناعيّ بالبيانات فيقول لك: “هذا تابع لحماس”، “هذا هدف يمكنك مهاجمته”.
لا تملك المخابرات إمكانيّة حقيقيّة للتحقّق من الأمور والعودة إلى الوراء والتساؤل: “لحظة، على أيّ أساس توصّل الذكاء الاصطناعيّ إلى هذا الاستنتاج؟”. ما اكتشفناه هو أنّ الاختبار المركزيّ الذي أُجري كان فحص ما إذا كان الهدف رجلًا أم امرأة، إذ كانت المخابرات الإسرائيليّة تجري اتّصالًا للفحص، فإذا ردّ صوت رجل سمحوا بالقصف، وإذا ردّ صوت امرأة قالوا ربّما وقع خطأ ما، وعندها لا يقصفون البيت.
لكن كان هناك ضغط لتحصيل أكبر عدد من الأهداف، وخصوصًا في الأسابيع الأولى. يتّضح من الشهادات التي حصلنا عليها أنّه كانت هناك مرحلة مصادقة بشريّة، ولكن بسبب الضغط الهائل والإصرار على إصابة أكبر عدد من الأهداف، وصف الشهود أنفسهم بأنّهم تحوّلوا إلى مجرّد جهة تصادق شكليًا على الأهداف التي يختارها الذكاء الاصطناعي.
هنا يُطرح سؤال حول الدور الذي يؤدّيه الذكاء الاصطناعيّ. إذا كان دوره البحث عن أسرع طريق من نهاريا إلى بيتاح تكفا، فلا مشكلة وسيبحث الذكاء الاصطناعيّ عن الإجابة. إمّا إذا كانت مهمّة الذكاء الاصطناعيّ إعداد قائمة كُتِبَ الموت المحتوم على كلّ من يرد اسمه فيها، فإنّ وزن هذا السؤال يصبح أثقل بكثير. يُعتبر هذا تخلّيًا عن الطرق المعتادة التي تعمل المخابرات وفقها. في السابق، كان ضابط المخابرات يجلس ويتابع شخصًا ما، فيتعرّف عليه، ويعرف من يكون، ويتعرّف على أفراد عائلته، ثمّ يقول لنفسه: “ها! هذا أصبح ناشطًا حماس الآن…”. أمّا عندما تقوم بالبحث عن 37 ألف هدف بواسطة الذكاء الاصطناعيّ في وقت قياسي يقترب من الصفر، فيصبح من الصعب تحديد سبب اختيار شخص معيّن هدفًا.
وهنا تُطرح مسألة عدد المدنيّين الذين يُسمح بقتلهم بوصفهم “أضرارًا جانبيّة”.
لنفترض أنّنا نعتمد على الذكاء الاصطناعيّ، ولنفترض أنّه يؤدّي العمل على أتمّ وجه وجاء بأسماء 37,000 شخص هم بالفعل ناشطون في حماس… لماذا يجب أن يُقتل مع كلّ واحد منهم عشرون شخصًا؟ لماذا يُقتلون في بيوتهم حين يعرّض ذلك جيرانهم لخطرٍ داهم؟ لماذا التصرّف بهذه الطريقة؟ استهدِفوهم في ساحة القتال. استهدِفوهم وهم في الخارج. استهدِفوهم عندما يشكّلون خطرًا حقيقيًّا. استهدِفوهم وهم يحملون السلاح.
وهنا اكتشفنا أحد أكثر الأمور التي تقشعرّ لها الأبدان. اكتشفنا منظومة، ليست من صنف الذكاء الاصطناعيّ بالضبط، وإنّما برمجيّة أو تطبيق يُدعى “أين بابا؟”. عناصر حماس، أو أولئك الذين يُشتبه بأنّهم عناصر في حماس، يعرفون أنّهم يخضعون للمراقبة – لأنّ كلّ من في غزّة يدرك أنّه يخضع للمراقبة – لذلك لم يحملوا هواتفهم الخلويّة، أو أخفوها في مكانٍ ما. لمعرفة ما إذا كانوا موجودين في البيت، كانت المخابرات تتعقّب الأجهزة الخلويّة التابعة لأفراد عائلاتهم، وفي اللحظة التي يقول فيها أحد أفراد العائلة: “بابا في البيت”، أو “عاد بابا إلى البيت”، تُفعَّل المنظومة وتنبّه جهاز المخابرات أنّ هذا الهدف، من بين الأهداف السبعة والثلاثين ألفًا، موجود الآن في بيته. ورد هذا في الشهادات التي يعرضها الفيلم.
وبما أنّ وقتًا يمرّ بين اللحظة التي يُقال فيها في المنزل إنّ الهدف (الأب) في البيت وبين قصف البيت – قد يمتدّ عشرات الدقائق أو ساعة – فمن الممكن أن يكون العنصر قد غادر البيت فعليًّا، وألّا يكون موجودًا أصلًا أثناء القصف، فلا يُقتل سوى أفراد عائلته.
لننتقل إلى الردود على الفيلم في المجتمع الإسرائيليّ. جاءت الردود القاسية على الفيلم في مرحلة لم يتسنّ فيها لمعظم الجمهور مشاهدة الفيلم بعد. كيف تفسّر هذه الردود؟
أعتقد أنّ هناك ثلاثة أسباب للردود القاسية، وأحدها لم نأخذه في الحسبان. عندما ناقشنا العرض الأوّل للفيلم، لم نتوقّع أن يُطلق الفيلم في خضمّ معركة انتخابيّة، وهذا يفسّر جزءًا كبيرًا من الهجوم العنيف جدًّا الذي شنّه اليمين على الفيلم. قبل عرض الفيلم بيوم أو يومين، نشرت صحيفة “هآرتس” تقريرًا يفيد بأنّ رئيس دولة الإمارات العربيّة المتّحدة حذّر نتنياهو، قبل السابع من أكتوبر بوقتٍ قصير، من أنّه من المتوقّع أن تشنّ حماس هجومًا على إسرائيل. كان نتنياهو في موقع دفاعيّ، وفجأة جاء الفيلم، ما سمح له بصرف النقاش عن ثنائيّة “نعم بيبي، لا بيبي”.
“نعم بيبي، لا بيبي” هي الحلبة التي تفضّل المعارضة خوض المعركة الانتخابيّة فيها، لأنّ نتنياهو ليس محبوبًا، على أقلّ تقدير… أعتقد أنّ معظم الجمهور في إسرائيل ضدّ بيبي، أو يعتقد أنه أنهى دوره فعليًّا، ولذلك تبنّت المعارضة ثنائيّة “نعم بيبي، لا بيبي”، وخصوصًا مسألة مسؤوليّته عن السابع من أكتوبر. بعد عرض فيلم “نازا” في البندقيّة، تمكّن نتنياهو ورجال اليمين فجأة من تحويل النقاش إلى “وطنيّ، غير وطنيّ”. وهذه حلبة أسهل بكثير لليمين.
السبب الثاني أنّ الادّعاء الذي يطرحه الفيلم والتحقيقات يتعلّق بالمنظومة كلّها، خلافًا للحالات المحدّدة التي يحقّق فيها الجيش فيما يبدو جريمة واضحة، مثل قضيّة هند رجب، وقتل المسعفين في رفح، وقصف “المطبخ المركزي العالمي” (World Central Kitchen) أو إطلاق النار على مدنيّين فلسطينيّين كانوا يقفون في الطابور بانتظار الحصول على الخبز. في هذه الحالات يمكن القول إنّ هناك جنودًا وضابطًا وقائد لواء مسؤولين عمّا حدث…
لكنّ الفيلم يتّهم المنظومة بأكملها. فقرار السماح بقتل عشرين مدنيًّا بوصفهم “أضرارًا جانبيّة” مقابل كلّ عنصر منخفض الرتبة في حماس، أو ثلاثمئة أو أربعمئة أو خمسمئة مدنيّ مقابل عنصر رفيع الرتبة، لا يمكن أن يُتّخذ إلّا في أعلى المستويات في الجيش: رئيس هيئة الأركان نفسه، والمدّعية العسكريّة العامّة… هذه القرارات تُتّخذ على هذا المستوى. لذلك طال الاتّهام أعلى مستويات الجيش، فجاء ردّه قويًّا وهائلًا. إذا كانت الادّعاءات التي يطرحها الفيلم صحيحة، فإنّ قيادة الجيش برمّتها مذنبة بقتل عدد هائل من الأبرياء.
السبب الثالث هو إنكار إسرائيل، على مدى سنوات طويلة جدًّا، لما يعرفه العالم كلّه عن غزّة. من ردود الفعل التي سمعتها من صحفيّ إيطاليّ في البندقيّة: “ما الجديد الذي تخبروننا به؟”. وسمعنا ذلك من فلسطينيّين كثيرين أيضًا: “نحن نعلم أنّ هناك إبادة جماعيّة، ونعرف أنّ عشرات آلاف الأطفال قُتلوا. نعلم أيضًا أنّ أحياء كاملة دُمّرت. نعرف ذلك. ما الجديد الذي تخبروننا به؟”. أمّا بالنسبة إلى الإسرائيليّين، فهذا أمر جديد تمامًا. هناك ستار إنكار كامل.
هناك أيضًا مسألة رمزيّة استُغلّت بشكلٍ سلبيّ. عُرض الفيلم في مهرجان البندقيّة، أي في مكانٍ يبدو فاخرًا بسجّادته الحمراء، واستمرّ التصفيق خمسًا وعشرين دقيقة. كنت حاضرًا في قاعة العرض. لم يكن التصفيق ليوفال أفراهام وراحيل شور، بل كان ضدّ الإبادة الجماعيّة، الجنوسايد. لم يكن بالإمكان التوقّف عن التصفيق لأنّه ساد شعور بأنّك إذا توقّفت فأنت تدعم الإبادة الجماعيّة. هذا هو الشعور الذي ساد في القاعة. التصفيق عبّر عن مقولة: نحن ضدّ ما حدث في غزّة.
لكن ما إن يُعرض الفيلم الذي يزيح ستار الإنكار على السجّادة الحمراء في البندقيّة ويحظى بخمسٍ وعشرين دقيقة متواصلة من التصفيق، حتّى يصبح الإحساس بالإهانة هائلًا والغضب عارمًا. حين يوجد إنكار، يغضب الناس ممّن يحطّم وهمهم.
على الرغم من كلّ ما قلته، وعلى الرغم من الثمن الشخصيّ الهائل الذي يدفعه كلٌّ من يوفال وراحيل – لا أعلم متى سيتمكّنان من العودة إلى البلاد، وهناك مظاهرات أمام بيت والدَي راحيل – على الرغم من هذا، أعتقد أنّ هذا الفيلم حقّق إنجازًا عظيمًا، وأنّه أطلق للمرّة الأولى نقاشًا داخل المجتمع الإسرائيليّ حول ما فعلناه في غزّة. هذا الفيلم موجّه إلى الإسرائيليّين. نعم، لقد عُرض في البندقيّة لأنّه لم يكن هناك أيّ منتج إسرائيليّ مستعدّ لإنتاجه، لكنّه موجّه إلى الجمهور الإسرائيليّ. لغته إسرائيليّة، والجنود الذين يقدّمون شهاداتهم يتحدّثون بلغة يتكلّمها الإسرائيليّون.
على من يريد خارج البلاد معرفة ما حدث في غزّة أن يستمع إلى ما رواه الغزّيون عبر الشبكات العربيّة والدوليّة. منع الصحافة الأجنبيّة من دخول غزّة أتاح ذلك للصحفيين الفلسطينيين فرصة لافتة لسرد روايتهم بأنفسهم. هم من نقلوا قصّتهم إلى العالم، ولم يروِها أحد نيابةً عنهم. لا حاجة إلى أن يتحدّث الجنود الإسرائيليّون، وإن كانت شهاداتهم تسهم في توضيح الصورة؛ فالعالم ليس بحاجة إلى أن يقولوا بلسانهم إنّ إبادة جماعيّة وقعت هنا. أمّا الإسرائيليّون، فهم بحاجة إلى ذلك.
ولأنّنا كنّا نعرف أنّ الموضوع بالغ الحساسيّة، وأنّ الاتّهامات خطيرة جدًّا، لم نكتفِ بشهادة شخص واحد قال لنا: “رأيت على الشاشة الرقم 300 ضرر جانبيّ، أي يمكن قتل ثلاثمئة مدني بريء”، بل وصلنا إلى شخص آخر لا صلة له بالشاهد الأوّل كرّر الشهادة نفسها، ثمّ إلى شاهد آخر وآخر. عندها فقط تمكّنّا من النشر.
في هذا السياق، وُجّه انتقاد من بعض أوساط اليسار إلى الاهتمام الدوليّ الذي حظي به الفيلم وصانعوه، خصوصًا في ضوء توثيق الصحفيّين الفلسطينيّين تبعات الإبادة الجماعيّة من داخل غزّة طوال فترة الحرب. كيف تفسّر هذه الانتقادات؟ وهل تؤثّر، برأيك، حقيقة أنّ صانعي الفيلم إسرائيليّون في قبول الفيلم في العالم؟
أتفهّم ردود الفلسطينيّين واليسار الراديكاليّ، لكنّني أعتقد أيضًا أنّ كلًّا يفعل ما بوسعه. لكونه إسرائيليًّا، يتمتّع يوفال بإمكانيّة الوصول إلى أماكن لا يستطيع الفلسطينيّون الوصول إليها، وكذلك نحن في “سيحا مكوميت”. ومن المرجّح ألّا يحظى صحفيّ بريطانيّ أو إسبانيّ بإمكانيّة الوصول إلى أربعة وعشرين من أفراد المخابرات ليتحدّثوا معه أمام الكاميرا.
إذن، هل هناك قيمة على مستوى الحقائق لما يروونه؟ أعتقد ذلك، فهم يضيفون طبقة أخرى إلى الحقيقة. هل يصدّقهم المتلقّون الغربيّون أكثر؟ نعم، للأسف هذا هو الحال، تمامًا كما يصدّقون “نيويورك تايمز” و”واشنطن بوست” و”الغارديان” أكثر.
وللأسف، هذا صحيح أيضًا في كلّ ما يتعلّق بمنصّة “سيحا مكوميت”. لقد نشرنا هذه التقارير الاستقصائيّة باللغة العبريّة في “سيحا مكوميت”، لكنّ صداها كان ضئيلًا جدًّا. وما إن تُرجمت إلى الإنجليزيّة حتّى لقيت صدى أكبر، وحين أعددنا بعض التقارير الاستقصائيّة بالشراكة مع “الغارديان”، بدأت تصل ردود فعل من إسرائيل. بعبارة أخرى، من العبث أن تقتبس الصحافة الإسرائيليّة من صحيفة “الغارديان”، التي تقتبس منّا أصلًا. لكنّ الصحافة الإسرائيليّة تقتبس من “الغارديان” لأنّها في نظرها أكثر “موثوقيّة”.
برأيك، لو غطّت وسائل الإعلام الرئيسيّة في إسرائيل الأحداث في غزّة في حينها وعلى نطاق واسع، ولو اطّلع الجمهور الإسرائيليّ على مزيد من المعطيات والشهادات والتقارير الاستقصائيّة والتوثيق الميدانيّ من غزّة، هل كان ردّ الفعل على الفيلم داخل إسرائيل سيكون مختلفًا؟
بالتأكيد. في الانتفاضة الأولى، عندما أصدر رابين – وزير الأمن آنذاك – أمرًا بتكسير أيدي المتظاهرين الفلسطينيّين وأرجلهم، دار نقاش حقيقيّ داخل إسرائيل حول هذه الأوامر… وفي الانتفاضة الثانية، عندما قصفت إسرائيل منزل صلاح شحادة، الذي كان آنذاك القائد العامّ للجناح العسكريّ في حماس، أي في منصب موازٍ لمنصب يحيى السنوار، وقُتل في هذا القصف بعض أفراد عائلته، دافع مسؤولون في الجيش وفي إسرائيل عن أنفسهم وادّعوا أنّهم لم يكونوا يعلمون بوجود أطفال في موقع الهدف.
إذن، كان هذا النقاش قائمًا في إسرائيل ذات يوم، ولذلك من الممكن أنّه لو كُشف ما تفعله إسرائيل في غزّة في حينه، لانطلق هذا النقاش مرّة أخرى. لكن في الواقع سادت حالة من الإسكات المطلق، ولذلك يبدو الفيلم كأنّه ظهر فجأة، ويتساءل الإسرائيليّون من أين جاء، فهم لا يعرفون شيئًا عمّا حدث.
هل هناك جوانب في ردود الفعل العالميّة على الفيلم لا يسمعها الجمهور في إسرائيل، أو لا يفهمها؟
أعتقد أنّ الجمهور الإسرائيليّ لا يدرك حقًّا أنّ مسألة ارتكاب إسرائيل إبادة جماعيّة (جنوسايد) في غزّة – ولا أحسم هنا بنفسي ما إذا كان هذا هو المصطلح الصحيح الذي يجب استخدامه – لم تعد أصلًا موضع نقاش. فهي بالكاد تُناقَش في إيطاليا، وكذلك في بريطانيا، وفي بعض الأوساط في أمريكا الشماليّة.
إسرائيل جلبت ذلك على نفسها حين تعاملت بلا مبالاة واستخفاف مع الادّعاءات بارتكاب انتهاكات بالغة الخطورة للقانون الدوليّ وجرائم حرب، وحاولت إسكات هذه الادّعاءات بوصفها معادية للساميّة. لو تصرّفت إسرائيل بحرّيّة أكبر وتقبّلت فيلم يوفال وراحيل، لقالت: حسنًا، أنا أناقش الادّعاءات، ليس كلّ ما قيل في الفيلم صحيحًا، لكنّهما تحدّثا مع أربعة وعشرين جنديًّا، ولذلك يجب الاستماع إلى ما يقولونه. لكنّ هذا الخوف، ومحاولة الإسكات هذه، ووصم كلّ شيء بأنّه معادٍ للساميّة، كلّها أدّت إلى الوضع السيّئ جدًّا لإسرائيل اليوم، وإلى اعتبارها في العالم دولة مجرمة. هذا الفيلم مجرّد تذكير.
برأيك، ما أهمّ ما ينبغي أن يفهمه القرّاء في ألمانيا عن النقاش الدائر في إسرائيل حول فيلم “نازا” وهذه التقارير الاستقصائيّة؟
أعتقد أنّهم بحاجة إلى أن يفهموا أنّ تصوّرهم لإسرائيل بوصفها دولة ديمقراطيّة تتمتّع بحرّيّة الصحافة وحرّيّة النقاش حول ما حدث في هذه الحرب هو ببساطة تصوّر غير صحيح. حاولت إسرائيل السيطرة على ما يُنشر من خلال الرقابة الذاتيّة أو التهديد، إذ هدّدت كلّ من حاول في العالم نشر رواية أخرى. لا يمكن أن تتمتّع إسرائيل باستثنائيّة، أي أن يُباح لها ما هو محظور على الآخرين. إذا كانت الرقابة على الصحافة ممنوعة في روسيا، فهي ممنوعة في إسرائيل أيضًا. وإذا كان قتل آلاف الأطفال ممنوعًا على روسيا، فهو ممنوع على إسرائيل أيضًا. وإذا عُرف أنّ إسرائيل تقتل الأبرياء عمدًا، فلا يوجد أيّ سبب للتساهل معها لمجرّد أنّها إسرائيل.
آمل أن يفهم الجمهور في ألمانيا أنّ هذا نقد من أشخاصٍ يريدون أن يكون هذا المكان، المكان الذي نعيش فيه، أفضل. قد ندفع ثمنًا – لسنا أبطالًا، لكنّنا قد نضطرّ إلى دفع الثمن.
نريد أن يكون هذا المكان أفضل، وسيكون أفضل حين يكفّ عن ارتكاب جرائم الحرب. أعتقد أنّ على الجمهور الألمانيّ أن يفهم ذلك، حتّى لو كان يدعم وجود إسرائيل ويرى فيه مبدأً أساسيًّا لجمهوريّة ألمانيا الاتّحاديّة. لا يزال الجمهور الألمانيّ بحاجة إلى أن يدرك أنّ إسرائيل لا يمكن أن تستمرّ في ارتكاب الجرائم، وأنّه لا يمكن تصنيف من يبلّغ عن هذه الجرائم معاديًا للساميّة.

ميرون رابوبورت صحفي ومحرر وناشط سياسي