وُلد المسرحيّ حسام المدهون وترعرع في غزّة، وأسّس فرقة “مسرح للجميع“ مع الفنان جمال الرزي والصديقة ماريان بلوم، وعمل مع الأطفال والشباب المصابين بصدمات من خلال العلاج بالدراما. غادر المدهون غزّة مع زوجته بعد أشهر قليلة من السابع من أكتوبر 2023، ويعيش الآن في القاهرة حيث يواصل نشاطه الثقافيّ. في مشروع سينمائيّ جديد بعنوان “غزّة: شهود عيان“، المدهون وخمسة فنّانين فلسطينيّين آخرين يسلّطون الضوء على الواقع اليوميّ تحت تهديد القتل.
مرحبًا حسام، إذا طُلب منك شرح مشروع الفيلم بجملٍ قليلة، كيف كنت ستصفه؟
بالنسبة لي كفلسطينيّ أوّلًا وقبل كلّ شيء، وقبل أن أكون ممثّلًا أو كاتبًا، أعتبر مشروع الفيلم منصّة للوصول إلى الناس، حيث إنّ المنصّات التي تتيح السرديّات الفلسطينيّة محدودة جدًّا.
أنت لست فلسطينيًّا فقط، بل فلسطينيّ من غزّة. هل لك أن تشاركنا قصّتك الشخصيّة مع الحرب في غزّة؟
استيقظت في السابع من أكتوبر في الرابعة أو الخامسة صباحًا بسبب الضجيج الهائل من الجيران داخل المبنى. سمعت عن هجوم حماس على إسرائيل عندما خرجت من البيت. دائمًا ما أتجنّب مشاهدة صور العنف، فأنا أتابع الأخبار المسموعة، وليس المرئيّة، لا أجد في مشاهدة العنف أي متعة، ولا رغبة لي في ذلك. أدركت فورًا أنّ ذلك التصعيد سيكون نقطة تحوّل، وأنّ الردّ لن يكون مثلما كان في الحروب السابقة في الأعوام 2008، 2009، 2014، 2021 و2023. كان هناك ذعر حقيقيّ. خلال ثلاثة أيّام، أصدر الإسرائيليّون أمرًا لسكّان شمال قطاع غزّة بإخلاء منازلهم والتوجّه نحو المنطقة الوسطى والجنوبية في قطاع غزّة. اتّخذت وزوجتي قرارًا بالمغادرة من أجل الحفاظ على سلامتنا. كانت ابنتنا الوحيدة في لبنان، حيث غادرت المنزل لأوّل مرة لإكمال تعليمها ونيل درجة الماجستير في حقوق الإنسان. غادرنا في الثاني عشر من أكتوبر إلى المنطقة الوسطى، ثمّ انتقلنا في نوفمبر إلى رفح، ثمّ خرجنا من قطاع غزّة في أبريل إلى مصر لنلتحق بابنتنا التي أنهت دراستها وانتقلت إلى مصر، ونمكث في القاهرة منذ ذلك الحين.
تقدّم في مشروع الفيلم نصوصًا خاصّة قمت بكتابتها. هل كتبت النصوص خصّيصًا للفيلم، أم كتبتها أثناء الحرب؟
أنا أكتب خلال الحروب، فأنا كاتب. على الرغم من أنّي لا أكتب كثيرًا، إلا أنّني كتبت يوميًّا تقريبًا في فترات الحروب على غزّة. أتعلمين، تشعرين في هذه الفترات أنّك لوحدك تمامًا. خصوصًا عندما لا تحظى بأي تغطية إعلامية، ولا تنديد لقتل المدنيّين. كان هناك فقط بعض الأصدقاء من خارج البلاد الذين تواصلوا معي للاطمئنان عليّ وعلى عائلتي، خصوصًا صديقي جوناثان تشادويك الذي طالما كان أوّل المتّصلين بي. عندما اتصل بي هذه المرّة، غمرتني مشاعر جيّاشة لدرجة أنّني لم أتمكّن من الكلام. لذلك، وجدت ملاذًا في الكتابة… الكتابة عمّا أشعر، وأفكر، وأمرّ به. كتبت باللغة الإنجليزيّة وشاركت أصدقائي بكتاباتي. فعلت ذلك في كلّ الحروب، ممّا نتج عن 15-20 “نصًا”. خلال الإبادة الجماعيّة الأخيرة، كتبت يوميًّا تقريبًا، ممّا نتج عنه أكثر من 160 مذكّرة أو شهادة من حياتي تحت الإبادة. بالأساس، قصدت مشاركة كتاباتي مع جوناثان. ولكن تواصل معي لاحقًا أشخاص من دول عديدة أخرى، ولذلك بدأت بمشاركة كتاباتي مع أشخاص آخرين من فرنسا، وبريطانيا، والولايات المتّحدة، وبلجيكا، والنرويج، والسويد. بناءً على ذلك، قصصي التي في الفيلم هي بعض ممّا كتبته خلال الحرب.
هل يمكنك مشاركتنا باختصار بقصّة من القصص التي تقدّمها في الفيلم؟
هناك قصّة الأصوات. في الأوقات العاديّة، لا يركّز المرء أكثر ممّا يجب بالأصوات الصغيرة التي يسمعها هنا أو هناك، وينتبه فقط للأصوات التي تلفت الانتباه، أو تلك العالية، أو الأصوات التي ينصت بانتباه من أجل أن يسمعها. ولكن في وقت الحرب، وبسبب أصوات إطلاق النار والقصف والتفجير، تبقى الحواس في قمّة التأهّب حيث قد يعني سماعُ صوتٍ معيّن، في لحظةٍ معيّنة، الحياة أو الموت. أمّا في ساعات الليل، كنت أستلقي على الأرض في الظلام بسبب انقطاع التيار الكهربائيّ عن القطاع، وينتاب والدتي طريحة الفراش المستلقية إلى جانبي القلق الشديد بسبب الحرب ويمنع عنها النوم. أمّا أنا، فكنت قلقًا على عائلتي، حيث بقي جزء كبير من أفرادها في مدينة غزّة. لهذه الأسباب كلّها، كنت أنصت للأصوات في الليل. بسبب الهدوء، كنت أنتبه لأصوات عديدة من حولي، ليس فقط أصوات الحرب. على سبيل المثال، أصوات أوراق الشجر وأغصانها التي تترنّح مع النسيم، أو صوت طفل يبكي، أو رضيع مع والدته. كنت أسمع أيضًا أصوات العصافير في طريق عودتها إلى أعشاشها. كانت تعني جميع هذه الأصوات لي الحياة. ولكن جاءت هذه الحرب بصوت الموت؛ صوت الصاروخ، أو القصف، أو التفجير، أو إطلاق النار، الذي طالما محى تمامًا أصوات الحياة. هذه التجربة غير متوفّرة في الأيّام العاديّة – الأيّام الخالية من أصوات الحرب.
تمّ تطوير الفيلم على يد فلسطينيّين من مناطق جغرافيّة مختلفة. كيف كانت هذه التجربة بالنسبة لك؟
كان ذلك رائعًا بعدّة مستويات. الاحتلال يمنعنا من التواصل مع بعض أو الالتقاء، فأنا لا أستطيع زيارة رام الله أو حيفا أو القدس، وهم لا يستطيعون الدخول إلى غزّة. نحن نعرف بعضنا البعض كفنّانين من وسائل الإعلام فقط. نقرأ عن بعضنا البعض، أو نشاهد أعمال الآخرين في التلفزيون أو شبكات التواصل الاجتماعيّ، ولكن لا يمكننا العمل معًا أبدًا. لذلك، كانت تجربة العمل على الفيلم كالحلم المُحقّق. أثمّن عاليًا تجربة العمل مع هؤلاء الفنّانين والفنّانات، واختبار طريقة تفكيرهم وإدراكهم للفن. هناك العديد من الشهادات التي لا يمكن عرضها في فيلم واحد. عملت وسلوى نقّارة على اختيار الشهادات النهائيّة التي ستكون في الفيلم. عملت أيضًا مع الفنّانين على اللهجة لتقريبها للهجة الغزّيّين قدر الإمكان. كانت سيرورة العمل مثرية وفكريّة واستمتعت بها لأبعد الحدود.

تمّ العمل على التحضيرات للفيلم عبر منصّة زوم بالأساس، ولكن أُجري التصوير في برلين. للأسف، كنت الفنّان الوحيد الذي لم ينضمّ للتصوير بسبب عدم حصولك على تأشيرة شنغن. كيف أثّر ذلك عليك وعلى التحضيرات للعمل؟
هل أثّر ذلك على التحضيرات للمشروع؟ حسنًا، لقد قمنا بالتصوير في نهاية الأمر. المصوّر أليكو جتشيف والممثّل أحمد طوباسي الذي شارك في الفيلم جاءا إلى مصر لنصوّر مشاهدي هنا. ولكن، جرحني هذا الرفض شخصيًّا، كإنسان وكفنّان وكفلسطينيّ. لقد زرت أوروبا وأمريكا عدّة مرّات، وأطعت القوانين في كلّ مكانٍ كنت فيه. توقّعت الحصول على الاحترام، ولكنّني قوبلت بالرفض. لا يتمّ التعامل معنا كبشر متساوين. كان ذلك مجحفًا وغير منصف.
لننتقل إلى الشهادات. جزء منها شهادات ثقيلة وحزينة ومرهقة، ولكنّ يشمل الفيلم أيضًا بعض المقاطع الفكاهيّة. على سبيل المثال، حفلة التقدير التي عُقدت للحمير لكونها أفضل صديق وداعم للإنسان خلال الحرب على غزّة. لماذا كان من المهم لك ولباقي أعضاء فريق العمل أن يشمل الفيلم الفكاهة؟
لأنّ هناك مليونيّ شخص في غزّة اليوم. هل تعتقدين أنّهم يبكون وينحبون 24/7؟ على الرغم من كلّ ما أصابهم ويصيبهم، ما زالوا على قيد الحياة ويمارسون حياتهم اليوميّة، ويضحكون وينكتون في طريقهم للبحث عن الماء، أو خلال وقوفهم في طوابير للحصول على طعام. الغزّيّون يتبادلون أطراف الحديث مع بعضهم البعض، ويعيشون حياتهم، ويضحكون على الكوارث التي ألمّت بهم وعلى وجعهم. كلّ ذلك كي يتغلّبوا على مصائبهم ويستمرّوا في الحياة. إذًا، هم يقومون بذلك بعدّة طرق. الاحتفال بالحمير تمّ حقًّا في غزّة، نظّمه صديقي مصطفى النبيه، المسرحيّ والمخرج التلفزيونيّ. أقام احتفالًا وفرش السجّاد الأحمر، وقام بذلك ليقول إنّنا بشر.
يشارك جميع الفنّانين الذين أعرفهم في غزّة بفنّهم مع الآخرين: الرسّامون، والموسيقيّون، والراقصون، والمهرّجون، والمسرحيّون، والكتّاب… يشاركونه خصوصًا مع الأطفال والنساء. لم يتوقّفوا للحظة واحدة. تزوّجوا وأنجبوا الأطفال وما يزالون على قيد الحياة. للأسف، يرافق ذلك آليّات تأقلم بائسة للغاية، تشمل العيش في الخيام بدلًا من بيوتهم، والاضطرار للمشي لمسافات طويلة للحصول على مياه للشرب بدلًا من فتح صنبور المياه، وتناول وجبة واحدة يوميًّا بدلًا من ثلاثة، والوقوف في طوابير لمدّة ساعات للحصول على مساعدة، بدلًا من أن يكونوا في مكان عملهم، والتغلّب على الخوف بدلًا من النوم بسلام. ولكنّهم ما يزالون على قيد الحياة، يصنعون الحب ويمزحون عمّا يمرّون به كطريقة للصمود، وإلّا سينهارون، وسيذهب كلّ شيء سدى. إنّهم ببساطة بشر.
يُعرض الفيلم حاليًّا في أماكن عدّة في ألمانيا وبريطانيا، وأيضًا في أماكن أخرى حول العالم. غالبًا ما تنضمّ للحديث الذي يأتي بعد الفيلم عبر منصّة زوم. كيف كان قبول الفيلم حتى الآن؟
استُقبل الفيلم بحفاوة وأثار العاطفة لدى المشاهدين. كانت معظم ردود الفعل بعد عرض الفيلم مفعمة بالعواطف والدعم والتفهّم. بعد العرض في لندن، ذكرت إحدى المشاهِدات ما حصل لليهود خلال الهولوكوست. بالفعل، ما حصل كان أمرًا فظيعًا وجريمة ضدّ الإنسانيّة لا يمكن لأحد إنكارها أو قبولها بأيّ شكلٍ من الأشكال. كان ردّي لهذه المُشاهِدة بأنّ الدعاية النازيّة في ذلك الوقت جرّدت اليهود من إنسانيّتهم كي تسهّل على الجنود النازيّين والمتعاونين معهم قتل وذبح كلّ هؤلاء الأبرياء. للأسف، حال اليوم كما الحال في ذلك الوقت، أي يقوم الإسرائيليّون بتجريد الفلسطينيّين من إنسانيّتهم ويدّعون بأنّ لا أبرياء في غزّة، وبأنّ سكّان غزّة ليسوا بشرًا، ممّا سهّل على جنودهم قصف غزّة وقتل الأبرياء. ثلثيّ سكّان قطاع غزّة هم من الأطفال والنساء. إذًا، فهم يدركون أنّ أكثر من 70% من القتلى هم أبرياء. بعد ردّي هذا، أجهشت المرأة بالبكاء وقالت إنّه يجب أن يتوقّف كلّ ذلك.
هذا الفيلم ليس سهلًا للمشاهدة بتاتًا، حتّى للأجانب، أو ربّما للجمهور العاديّ. كيف تشعر، كشخص من غزّة، عند مشاهدة هذا الفيلم مرارًا وتكرارًا؟
الأمر ليس سهلًا بتاتًا. بصراحة، عندما أشارك في عرضٍ لا أشاهد الفيلم. لست قادرًا على ذلك، فمشاهدته أو سماع الشهادات يدفعونني لأعيش هذه التجارب الصادمة مجدّدًا. هذا ينهكني حقًّا. كذلك الأمر، أتجنّب مشاهدة المشاهد العنيفة أو الاستماع إلى التفاصيل القاسية قدر الإمكان لأنّها تولّد لديّ المشاعر التي شعرت بها عندما مررت بتلك التجارب. ولكن، ما تزال هذه المشاعر والأفكار حيّة في داخلي، ولذلك أتمكّن من التعامل معها عند عرض الفيلم. هذا الفيلم ليس للفلسطينيّين الغزيّين، فهم يعيشون واقع الفيلم يوميًّا. أنا على يقين أنّهم سيعتقدون أنّ الفيلم سطحيّ لأنّنا قمنا بالتصوير قبل فترة المجاعة في غزّة، والتي أدّت إلى واقع أسوأ بكثير ممّا يعرضه الفيلم. إذًا، رسالة هذا الفيلم موجّهة إلى الجمهور خارج غزة، وليس للغزّيّين.
ما هي أهمّ تجربة، أو ربّما درس، تعلّمته خلال العمل على هذا المشروع؟
تعلّمت البحث عن أكبر قدر من المنصّات لعرض قصصنا كفلسطينيّين. ليس فقط هذه الشهادات، بل قصّة الفلسطينيّين بأكملها. يجب وقف الدعاية الخاطئة بأنّ هناك صراع. ما يجري ليس صراعًا، بل احتلال استعماري على الأرض والشعب. هناك احتلال، ويجب أن يتوقّف. هذا كلّ ما في الأمر. على الاحتلال الانصياع للالتزامات المفروضة عليه فيما يتعلّق بحقوق الإنسان وفقًا للقانون الدوليّ لحقوق الإنسان واتفاقيّة جنيف وإنهاء الاحتلال فورًا. هذا ليس صراعًا!
بالنسبة لي، الفيلم هو منصّة تمكّنني من عرض جزء من سرديّتنا، ويشجّعني القيام بذلك على أكبر نطاق ممكن. قمت بعدّة أمور بعد ذلك. زرت لندن وكيمبريدج، وقدّمت قصّتي كمسرحيّ، وهي جزء من هويّتي لا تنفصل عن كوني فلسطينيًّا يعيش تحت الاحتلال. تمّ تحويل جزء من يوميّاتي لتكون عرضًا مسرحيًّا في بلجيكا، كما صدرت يوميّاتي بنسختين، باللغة الفرنسية ويتم توزيعها في بلجيكا وفرنسا. بالإضافة لذلك، تقوم مجموعة فنّانين إيطاليّين بقراءة يوميّاتي أمام جمهور من الحاضرين في مدن إيطالية عدة، كما قُرأت اليوميّات في لندن بعنوان “شعب حُسام”. إذًا، هذا ما أحاول القيام به. أعمل حاليًّا مع مخرج فرنسيّ، كما أخطّط للمشاركة في إنتاج مسرحيّ مع فنّانين بلجيكيّين كنت قد عملت معهم قبل سنوات عدّة، حيث سيزورون مصر لننتج مسرحيّة لتجول في بلجيكا وفرنسا ولوكسمبورغ، تمامًا كما قمنا بذلك في السابق. كتبت أيضًا ثلاث مسرحيّات؛ الأولى عن الأطفال تحت الإبادة الجماعيّة، والثانية عن الأسرى وتأثير التعذيب الذي مرّوا به وتجريدهم من الإنسانيّة على حياتهم، والثالثة عن المجاعة.
لا يزال الوضع في غزّة صعبًا للغاية. ماذا تتمنّى لغزّة والغزّيّين؟
لا معنى للكلمات التي نستخدمها لوصف غزّة، فهي لا تعبّر عمّا يجري هناك. ما تزال الإبادة الجماعيّة ولم تتوقّف للحظة بعد اتفاقية ما سُمّي “وقف إطلاق نار”. هذه الاتفاقيّة ليست وقفًا لإطلاق النار، وإنّما تسمح للإسرائيليّين متابعة الإبادة الجماعيّة. منذ سريان وقف إطلاق النار في نوفمبر 2025، قتلوا أكثر من ألف شخص، من بينهم أكثر من 350 طفل، ولم يلتزموا بأيّ اتّفاق يتعلّق بالغذاء. وافقوا على السماح بدخول 600 شاحنة بضائع وأدوية للمدنيّين، ولكنّهم لا يسمحون بدخول أكثر من 250 شاحنة يوميًّا. نناقش دخول هذا النوع من الدواء أو ذاك، ولكن هناك آلاف الأدوية الضروريّة التي يُمنع إدخالها للقطاع. دول العالم ووزارات خارجيّتها تتفاوض مع إسرائيل حول إدخال زيت المحرّكات لغزّة لضمان استمراريّة عمل المولّدات الاحتياطيّة في المستشفيات، هل هذا أمر منطقيّ؟ يجب التفاوض على الانسحاب الكامل والشامل من غزّة، وإعادة بناءها، وتحرير الشعب الفلسطينيّ وتأسيس دولة فلسطينيّة. ما يزال الغزّيّون يعانون من الألم والعذاب في خيام بائسة وانعدام النظافة والمراحيض ومواد التنظيف، أو حتّى المياه الصالحة للشرب والغذاء الكافي. يسيطرون يوميًّا على أجزاء أكبر وأكبر من غزّة. سيطروا على 46% من القطاع في السابق، ويسيطرون الآن على أكثر من 60% منه. يزيحون يوميًّا ما يسمّونه “الخطّ الأصفر”، والذي هو عبارة عن كتلة كبيرة من الحجارة المطليّة باللون الأصفر، فيزيحونها إلى داخل غزّة أكثر وأكثر يوميًّا. مع كل إزاحة إلى الداخل، هناك المئات من الأشخاص والعائلات الذي يُقتَلعون من بيوتهم مرّة أخرى، على الرغم من عدم وجود مكان لجوء مناسب ليبدؤوا حياة جديدة فيه. تعجز الكلمات عن وصف ما يمرّ به الغزّيون.
هل ترغب أن تضيف شيئًا إضافيًّا لقرّاء هذه المقابلة؟
أرى أن الإرث الأعظم لأوروبا، خاصّة في القرن الماضي، هو تأسيس هذا النظام الذي يحمي المدنيّين الأبرياء في كلّ مكان وفي كلّ الأوقات. أعني نظام حقوق الإنسان، والقانون الإنساني الدوليّ، واتّفاقيّة حقوق الطفل، واتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب ومحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية. يجب أن تفتخر أوروبا بهذا الإرث، ولكن للأسف، إسرائيل تدوس هذا الإرث وتنسفه بقنابلها التي تستهدف المدنيّين في غزّة والضفّة الغربيّة. تقع على عاتق أوروبا مسؤوليّة حماية هذا الإرث. السماح بحدوث إبادة جماعيّة، في أيّ مكان وليس في غزّة فقط، هو ندبة على وجه الإنسانيّة. هذا يحدث في غزّة اليوم، ولكنّه قد يحدث في أيّ مكان آخر غدًا دون أيّ ردّ فعل. هذه خسارة وفشل لحقوق الإنسان، ليس فقط للفلسطينيّين. ما يحدث في فلسطين اليوم لم يعد قضيّة فلسطينيّة وحسب، وإنّما قضيّة إنسانيّة. يقع على عاتق الجنس البشريّ وضع حدّ لذلك.
***
أُجريت المقابلة باللغة الإنجليزية بتاريخ ٢١/٦/٢٠٢٦. المقابلة باللغة الإنجليزية