انتقلت إلى ألمانيا في عام 2020. جئت إلى هنا كإسرائيليّ عمل لسنوات في قضايا الاحتلال وحقوق الإنسان والطريقة التي تقدّم بها إسرائيل نفسها للعالم. كنت على دراية تامّة بالفجوة بين الواقع على الأرض واللغة التي يُنتجها النظام الإسرائيليّ لتبرير أعماله، لكنني لم أدرك إلى أيّ مدى تتجاوز هذه الفجوة حدود إسرائيل إلّا بعد انتقالي إلى برلين، حيث يتم تصديرها، وترجمتها، وتمويلها، ودمجها في الأنظمة السياسيّة الأوروبيّة.
شكّلت الحرب على غزّة عام 2014، خلال دراستي للسينما في إسرائيل، نقطة تحوّل أخلاقيّة بالنسبة لي . بعد مسيرة إبداعيّة قصيرة وناجحة في صناعة الإعلان التلفزيونيّ، بدأت العمل مع منظّمات مثل “كسر الصمت”، و”بتسيلم”، وحزب “ميرتس”.
بعد حوالي ثلاث سنوات من انتقالي إلى ألمانيا، بعد 7 أكتوبر 2023، كنت أحد مؤسّسي منظّمة “إسرائيليّون من أجل السلام” في ألمانيا. نظّمنا الأصوات الإسرائيليّة المعارضة للمجزرة التي نفّذتها حركة حماس، وطالبنا بإطلاق سراح الرهائن، وفي الوقت نفسه عارضنا القتل الجماعيّ، والتجويع، وإحلال الدمار، واستمرار السيطرة الإسرائيليّة على الفلسطينيّين. أردنا أن نبيّن للجمهور الألماني أنّ هناك إسرائيليّين يرفضون الاختيار بين الأمن الإسرائيليين وحقوق الفلسطينيّين وحريتهم، لأنّ هذا الخيار زائف ويشكّل خطرًا على كِلا الشعبين.
خلال عام ونصف من النشاط في ألمانيا، أدركت أمرًا مقلقًا. هناك منظّمات مهنيّة قديمة ومموّلة جيّدًا تروّج باستمرار لمواقف الحكومة الإسرائيليّة أو مواقف يمينيّة أكثر خلال الفترات القصيرة التي لم يحكم فيها يمين واضح. تعقد هذه المنظّمات جلسات إحاطة للبرلمانيّين الألمان، وتنظّم الوفود، وتنتج وثائق سياساتيّة، وتبني علاقات مع صحافيّين وصحافيّات وتقدّم نفسها كمنظّمات خبيرة في قضايا مثل معاداة الساميّة، والإرهاب، والمساعدات الإنسانيّة، والقانون الدوليّ. في المقابل، يكاد يغيب المهنيّون والمهنيّات الذين تتمثّل مهمّتهم في فحص ادّعاءات هذه المنظّمات وتتبُّع مصادر تمويلها، أو توثيق علاقاتها وتقديم تحليل لصانعي السياسات يستند إلى حقوق الإنسان والقانون الدوليّ.
ببساطة، كان اللوبي الإسرائيليّ يلعب في ملعب فارغ.
أدركت أنّني لا أملك الموارد لتأسيس معهد أبحاث أو تشكيل فريق كبير من الصفر، لكنّني فكّرت أنّه يمكنني، بل يتوجّب عليّ، أن أبدأ بشيءٍ متواضع. وهكذا وُلدت نشرتي الشهريّة، Staatsräson Monitor، وهي مشروع مستقلّ لمراقبة العلاقات الألمانيّة الإسرائيليّة، وأنشطة اللوبي الإسرائيليّ، والنقاشات البرلمانيّة، وكيف تتحوّل السرديّات الإسرائيليّة لسياسات ألمانيّة. كانت الفكرة أساسيّة: قراءة ما تنشره هذه المنظّمات بشكلٍ منهجيّ، ومتابعة الأحداث التي تنظّمها والسياسيّين الذين تلتقي بهم، والردّ على هذه السرديّات بطريقةٍ محدّدة ومرنة وفعّالة تتيح نقاشًا ماديًّا يأخذ مصالح الدول بعين الاعتبار ، دون إلغاء منظوري الرئيسي – حقوق الإنسان والقانون الدوليّ.
هنا يكمن الفشل العميق للخطاب الإسرائيليّ، فالمنظّمة التي توفّر التعليم والصحّة والرفاهيّة لملايين الأشخاص لا “تكرّس” المشكلة بمجرّد منعهم من الانهيار. المشكلة هي غياب الحلّ السياسيّ. الأونروا لم تخلق اللاجئين، ولا تحدّد حقّ العودة أو يمكنها إلغاؤه. تنبع مكانة اللاجئين وحقوقهم المصاحبة لها من التاريخ وقرارات الأمم المتّحدة والقانون الدوليّ. إغلاق وكالة الأونروا لن يمحو وجود اللاجئين، بل سيحذف فقط بعض الخدمات التي يتلقّونها.
نشأ التقرير الذي كتبته لمؤسّسة روزا لوكسمبورغ من هذا العمل. في النسخة الثانية من النشرة، في تمّوز 2025، لاحظت عدّة تحرّكات بدت منفصلة في البداية. وزّعت إحدى المنظّمات تُدعى NAFFO وثيقة على أعضاء البوندستاغ الألمانيّ تدعو إلى اعتبار الأونروا عَقَبَة أمام السلام. وفي الوقت نفسه، نشرت مؤسّسة Amadeu Antonio Stiftung – وهي منظّمة مركزيّة في مجال مكافحة العنصريّة ومعاداة الساميّة – تقريرًا عن الأمم المتّحدة استندت فيه إلى نفس المصادر، كما ظهرت نفس الأسماء مرارًا وتكرارًا في القاعات البرلمانيّة ومنشورات المجتمع المدنيّ والإعلام، بما في ذلك UN Watch و IMPACT-se.
لم يعد السؤال مجرّد ما إذا كان ادّعاء معيّن صحيحًا أم خاطئًا، حيث إنّ مؤسّسات جديّة مثل معهد جورج إكيرت للاتّصال التربويّ تقوم بتفنيد ادّعاءاتهم بشكلٍ منهجيّ. أردت أن أفهم كيف يُطرح الادّعاء، ومن يترجمه إلى الألمانيّة، ومن يشرعنه، ومتى يظهر في قرارات الحكومة أو مناقشات البرلمان.
ما وجدته في التقرير
يفحص التقرير الحملة في ألمانيا ضد الأونروا وحقّ الفلسطينيّين في العودة في الفترة الواقعة بين عام 2014 حتّى شهر كانون الثاني 2026، مع التركيز على الفترة التي تلت 7 تشرين أوّل 2023. يعتمد التقرير على منشورات تنظيميّة، ووثائق برلمانيّة وحكوميّة، وتقارير ماليّة، ومقالات وتقارير صحفيّة، ومواد موثّقة، ومحادثات مع سياسيّين/ات ودبلوماسيّين/ات وباحثين/ات وشخصيّات من المجتمع المدنيّ.
يركّز التقرير على تحديد الفاعلين حسب دورهم في إنتاج السرديّة الإسرائيليّة أو تعزيزها. منظّمات مثل NGO Monitor، UN Watch و IMPACT-se تنتج ادّعاءات وتقارير وحُزم من “الأدلّة”. توفّر شخصيّات مثل عينات ﭬـيلف إطارًا أيديولوجيًا يربط بين الأونروا ووضع اللاجئين الفلسطينيّين وحقّ العودة، وتقدّم جميع هذه القضايا كتهديد للسيادة اليهوديّة.
المنظّمات الألمانيّة والأوروبيّة، بما في ذلك ELNET، والجمعيّة الألمانيّة-الإسرائيليّة، وMideast Freedom Forum Berlin، وNAFFO، تقوم بترجمة هذه الادّعاءات إلى لغةٍ تناسب المؤسّسات الألمانيّة وتعرضها على صُنّاع القرار، وتساعد منظّمات من مجال التعليم السياسيّ ومكافحة معاداة الساميّة في تحديد ما يشكّل موقفًا مشروعًا، كما تُضخّم وسائل الإعلام الرسائل.
لا أدّعي هنا بوجود أخطبوط متعدّد الأذرع. على الرغم من أنّ لبعض المنظّمات تمويل من نفس المصادر وتتعاون فيما بينها مباشرةً وتنشر وثائق معًا وتظهر في نفس الفعاليّات، تعتمد منظّمات أخرى ببساطة على نفس المصادر، وتعمل مع نفس المؤسّسات، كما أنّها شريكة في نفس المنظور للعالم. السؤال الديمقراطيّ المهمّ الذي أطرحه ليس ما إذا كان يُسمح لهذه المنظّمات بترويج سياساتها. هذا مسموح بالطبع. السؤال هو ما إذا كان المجال الذي تعمل من خلاله شفّافًا ومتنوّعًا ومتوازنًا بما فيه الكفاية. أظهر بحثي أنّه ليس كذلك.
عدد الأشخاص الذين يقفون من وراء المنظومة الذي وثّقته صغير نسبيًّا، لكنّهم يتمتّعون بموارد كبيرة وشبكات علاقات واسعة وقدرة على الوصول إلى دوائر صنع القرار . على أثر ذلك، تتيح لهم هذه الموارد من تحويل الادّعاءات المثيرة للجدل إلى معرفة مهنيّة ظاهريًّا، وتتمّ معالجة هذه الادّعاءات بشكلٍ مؤسّسيّ ومستمرّ من قِبَل هيئات مهنيّة التي عادةً ما تفنّدها وتلغيها. تكمن المشكلة في أنّ الأصوات النقديّة الفلسطينيّة، والإنسانيّة، والقانونيّة، والإسرائيليّة لا تملك تقريبًا بنية تحتيّة مؤسّسيّة موازية. هذا ليس تفصيلًا ثانويًّا. عندما يأتي طرف معيّن بالتقارير، والعروض، والوفود، والخبراء، والعلاقات الشخصيّة، ويصل الطرف الآخر – في أفضل الأحوال – بردودٍ متأخّرة، فإنّ مبنى النقاش ذاته هو الذي يحدّد بالفعل جزءًا كبيرًا من النتيجة.
يشير التقرير إلى هذا الخلل تحديدًا، أي أنّ اللوبي الإسرائيليّ ليس فقط قويًّا، بل غالبًا ما يعمل بدون خصم مهنيّ ومنظّم.
حقيقة أنّ هذه الادّعاءات تلقى جوابًا أحيانًا من قِبَل الأونروا أو الأمم المتّحدة أو الهيئات المهنيّة لا تلغي تأثيرها. لا تحتاج منظّمات الضغط السياسيّ إلى إقناع الخبراء، بل يكفي أنّها تشكّل الخطاب العامّ، وتوفّر مواد جاهزة للسياسيّين، وتموضع نفسها – خاصّةً في أوقات الأزمات – على أنّها كانت تقرع الناقوس منذ سنوات. عندما لا تواجه مؤسّسات الضغط السياسيّ الإسرائيليّة بنية تحتيّة مهنيّة موازية، يمكن أن تتحوّل حتّى الادّعاءات المرفوضة إلى ضغط سياسيّ فعّال. بهذه الطريقة بالضبط يحلّل الأكاديميّون تحالفات الضغط السياسيّ واللوبي (انظر، على سبيل المثال، The Advocacy Coalition Framework أو Transnational Advocacy Networks).
مهنيًّا، من المعتاد التميّيز بين مصطلحات منظّمات اللوبي التي تمارس نشاطًا تجاريًّا، مثل اتّحاد مُصنّعي السيّارات أو شركات اللوبي التي تمثّل شركات كبيرة، وبين منظّمات الضغط التي تمارس نشاطًا سياسيًّا – عادةً حول قضيّة رئيسيّة واحدة – مثل الحق في حمل السلاح، أو مع أو ضدّ الإجهاض في الولايات المتّحدة. على هذا الأساس، لا يستخدم التقرير كلمة لوبي لأنّه يتناول النشاط السياسيّ الذي يقوم به أفراد دون أن تكون لديهم مصلحة تجاريّة مباشرة (على الرغم من المصلحة غير المباشرة، على سبيل المثال، عندما تروّج ALNET لبيع منتجات إسرائيليّة في مجالات متنوّعة مثل الأسلحة، والدفاع السيبرانيّ، والزراعة، والصحّة، بهدف خلق اعتماد دوليّ بين إسرائيل وألمانيا).
لماذا الأونروا مهمّة أيضًا للإسرائيليّين
ينظر الكثير من الإسرائيليّين إلى الأونروا من خلال شعارات: إنّها “تكرس الصراع”، “تكرس اللجوء”، أو “تحت سيطرة حماس”. لكن الأونروا ليست فكرة مجرّدة، بل مؤسّسة بديلة للدولة، فهي تفعّل مدارس، وعيادات، وخدمات اجتماعيّة، وتقدّم مساعدات غذائيّة، وتقوم بإنشاء بنية تحتيّة طارئة، وتدير أنظمة التسجيل لملايين اللاجئين الفلسطينيّين في غزّة، والضفّة الغربيّة، والأردن، ولبنان، وسوريا.
وفقا لتقييم شبكة MOPAN – وهي شبكة الدول التي تُقيّم أداء المنظّمات متعدّدة الأطراف – حصلت الأونروا على تقييمٍ مرضٍ في 10 من أصل أحد عشر مؤشّر أداء تمّ فحصه. لم يصف التقييم منظّمة مثاليّة، بل أشار إلى نقاط الضعف والمشاكل الإداريّة ونقص الموارد المزمن، ولكنّه وصف هيئة عاملة تقدّم خدمات على نطاقٍ لا يمكن الاستغناء عنه واستبداله بآخر على الفور.
بالإضافة إلى ذلك، يعرّف أيضًا كل من الاتحاد الأوروبيّ والأمم المتّحدة الأونروا كركيزة للاستقرار الإقليميّ، ليس لأنّهما يتجاهلان مشاكلها، بل لأنّهما يدركان ما سيحدث إذا فقد مئات الآلاف من الأطفال جهازهم التعليميّ، وإذا لم يتلقّ المرضى العلاج، وإذا تُركت الفئات الفقيرة وعديمي الجنسيّة بدون شبكة أمان.
في عام 2025، حدّد تقيّيم استراتيجيّ للأمم المتّحدة أنّ الأونروا لعبت دورًا حيويًّا في تعزيز الاستقرار الإقليميّ، وكرّر الاتّحاد الأوروبيّ مرارًا أنّ إضعاف الأونروا لن يُشكّل فقط خطرًا إنسانيًا، بل أيضًا خطرًا سياسيًّا وأمنيًّا.
هنا يكمن الفشل العميق للخطاب الإسرائيليّ، فالمنظّمة التي توفّر التعليم والصحّة والرفاهيّة لملايين الأشخاص لا “تكرّس” المشكلة بمجرّد منعهم من الانهيار. المشكلة هي غياب الحلّ السياسيّ. الأونروا لم تخلق اللاجئين، ولا تحدّد حقّ العودة أو يمكنها إلغاؤه. تنبع مكانة اللاجئين وحقوقهم المصاحبة لها من التاريخ وقرارات الأمم المتّحدة والقانون الدوليّ. إغلاق وكالة الأونروا لن يمحو وجود اللاجئين، بل سيحذف فقط بعض الخدمات التي يتلقّونها.
بهذا المعنى، فإنّ الحملة ضدّ الأونروا هو بديل عن السياسة. بدلًا من التعامل مع مسألة كيفيّة التوصّل إلى تسوية عادلة ومتّفق عليها لقضيّة اللاجئين يحاولون تفكيك المنظّمة التي تدعم حياتهم اليوميّة، وبدلًا من المفاوضات يفضّلون إدارة النزاعات، وبدلًا من التوصّل لحلّ يقومون بمسحٍ إداريّ.
هذا ليس مجرّد قسوة على الفلسطينيّين. إنّها سياسة تزيد من الفقر واليأس وعدم الاستقرار والتطرّف في بيئةٍ سيضطرّ أن يعيش فيها الإسرائيليّون أيضًا. وهذا بالضّبط سبب عمل إسرائيل مع الأونروا لأكثر من 50 عامًا – منذ حرب النكسة عام 1967 وحتّى 7 أكتوبر 2023. يكمن الفرق الرئيسيّ في التركيبة المتطرّفة للحكومة التي لا تهتمّ بالاستقرار أو حتّى الضمّ التدريجيّ، بل بزيادة المساحة وتقليل عدد السكّان الفلسطينيّين بأسرع وقتٍ ممكن.
السرديّات لا تصمد في الامتحان
يجب أخذ الانتهاكات المحايدة والشكوك ضدّ عمّال وعاملات الأونروا على محمل الجدّ. بعد 7 أكتوبر، كشفت تحقيقات الأمم المتّحدة أنّ تسعة من موظّفي الأونروا ربّما كانوا متورّطين في الهجوم، وتمّ فصلهم. هذا أمر خطير، لكن الادّعاء بأنّ الأونروا ككلّ هي ذراع لحماس هو ادّعاء مبالغ به لأبعد الحدود. يبلغ عدد موظّفي الأونروا حوالي 30,000، منهم 13,000 في غزّة. تخيّلوا فقط لو أنّ كلّ معلّم عنصريّ إسرائيليّ يصبغ وزارة التعليم بأكملها كمنظّمة إرهابية. هذا أمر عبثيّ ، أليس كذلك؟
تكرّر هذا النمط في بحثي. يتحوّل ادّعاء محدّد إلى ادّعاء ضدّ المنظومة، وتتحوّل لقطة شاشة لموظّف إلى دليلٍ ضدّ عشرات الآلاف من الموظّفين، ويتحوّل خطأ في كتاب تدريسيّ إلى دليلٍ على أنّ النظام التعليميّ بأكمله يعلّم الإرهاب، ويصبح انتقاد آليّة الرقابة شرطًا لتفكيك المنظّمة بأكملها. لاحقًا – حتّى عندما يقلّل التحقيق المستقلّ من الادّعاءات – يحظى التعديل بصدى أقلّ من الادّعاء الأصليّ.
مع ذلك، وجد تحقيق مستقلّ بقيادة وزيرة الخارجيّة الفرنسيّة السابقة، كاترين كولونا، أنّ للأونروا آليّات حياد أكثر تطوّرًا من المنظّمات المماثلة، كما أشار التحقيق لأوجه القصور والقضايا التي تحتاج إلى تحسين. أشارت كولونا أيضًا إلى أنّ إسرائيل لم تقدّم أدلّة داعمة لبعض الادّعاءات التي قدّمتها، أمّا الأونروا فقبلت التوصيات وباشرت في تنفيذها.
تكرّر هذا النمط في بحثي. يتحوّل ادّعاء محدّد إلى ادّعاء ضدّ المنظومة، وتتحوّل لقطة شاشة لموظّف إلى دليلٍ ضدّ عشرات الآلاف من الموظّفين، ويتحوّل خطأ في كتاب تدريسيّ إلى دليلٍ على أنّ النظام التعليميّ بأكمله يعلّم الإرهاب، ويصبح انتقاد آليّة الرقابة شرطًا لتفكيك المنظّمة بأكملها. لاحقًا – حتّى عندما يقلّل التحقيق المستقلّ من الادّعاءات – يحظى التعديل بصدى أقلّ من الادّعاء الأصليّ.
تدّعي رواية مركزيّة أخرى أنّ الأونروا هي من يمنح أيناء وأحفاد اللاجئين مكانتهم القانونيّة كلاجئين، وبالتالي، فإنّ تفكيك الوكالة سيحلّ قضيّة اللاجئين. هذا ببساطة غير صحيح. تحتفظ الأونروا بتسجيل الخدمات وفقًا للتفويض الذي حصلت عليه، وهي ليست الهيئة التي تقرّر مسألة حقّ العودة، كما لا يمكنها سحب مكانة اللاجئين بقرارٍ إداريّ. وقد أوضح الاتّحاد الأوروبيّ أنّ إغلاق الأونروا لن يقضي على المكانة القانونيّة للّاجئ الفلسطينيّ، وأنّ التسوية السياسيّة فقط هي التي يمكنها فعل ذلك.
منظّمة NGO Monitor كدراسة حالة
برأيي، أوضح مثال هو منظّمة NGO Monitor. يُعطي اسم المنظّمة انطباعًا بأنّها هيئة محايدة تُشرف على المنظّمات غير الحكوميّة. في الواقع، هي منظّمة مناصرة سياسيّة تكرّس عملها لمهاجمة منظّمات حقوق الإنسان الإسرائيليّة والفلسطينيّة، والمنظّمات المرتبطة باليسار، والمؤسّسات الدولية، والحكومات الأوروبيّة التي تموّلها.
تحتفظ المنظّمة بقواعد بيانات تمويل وتنشر تقارير ضدّ منظّمات تنتقد إسرائيل، وتعمل مقابل الحكومات والبرلمانات لتقليل الدعم لها. على موقعها الإلكترونيّ، تعرّف المنظّمة إجراءات محكمة العدل الدوليّة بأنّها “مؤامرة الإبادة الجماعيّة”، وتصف الالتماسات للمحكمة الجنائيّة الدوليّة بأنّها “صراع قانونيّ”، وتدّعي بأنّ وصف نظام السيادة والفصل العنصريّ في الأراضي المحتلّة كأبرتهايد بأنّه “تشهير”.
هذا ليس نقدًا محدّدًا لأخطاء منظمة أو أخرى وإنّما معركة ضد البنية التحتيّة التي تمكّن التدقيق والمساءلة. عندما يوصف مسبقًا أيّ استخدام للقانون الدوليّ ضد إسرائيل بأنّه عدائيّ، وعندما تُعرض المحاكم الدوليّة ومنظّمات حقوق الإنسان ووكالات الأمم المتّحدة والمانحين الأوروبيّين بأنّهم جزء من نظامٍ واحدٍ معادٍ لإسرائيل، فإنّ الهدف ليس تحسين النظام، وإنّما إنكار شرعيّته.
يًظهر التقرير أنّ منظّمة NGO Monitor لا تكتفي بالساحة الإسرائيليّة وحسب، فهي تتعاون مع منظّمات ألمانيّة وتنشر وثائق سياسيّة موجّهة لألمانيا وتصل إلى البرلمان. في حزيران 2024، نشرت المنظّمة خطّة من 12 نقطة بالتعاون مع DIG و IMPACT-se لتغيّير المساعدات الألمانيّة للفلسطينيّين. تناولت الوثيقة وكالة الأونروا، ونظام التعليم، ووضع اللاجئين. وفقًا لمنشورات المنظّمة، قُدّمت الخطّة المذكورة في البوندستاغ.
برأيي، منظّمة NGO Monitor هي مثال لمنظّمة تعمل ضدّ المصالح الإسرائيليّة رغم أنّها تقدّم نفسها كمدافعة عن إسرائيل، فالمجتمع الذي لا يستطيع سماع منظّمات حقوق الإنسان الخاصّة به يفقد آليّات التحذير التي تخصّه، والدولة التي تحاول القضاء على النقد الخارجيّ لها لا تصبح أكثر أمانًا، بل تصبح أكثر عميًا.
منظّمات مثل بتسيلم، كسر الصمت، وأطباء لحقوق الإنسان ليست عدو لإسرائيل لأنّها توثّق الظلم، بل هي من يُصلّح إسرائيل، فهي تصف واقعًا يفضّل الجمهور والحكومة أحيانًا عدم رؤيته. إضعاف هذه المنظّمات لا يحجب الواقع، بل يسهّل فقط استمرار الضرر ويزيد من الثمن الأخلاقيّ والقانونيّ والسياسيّ الذي ستدفعه إسرائيل.
ضدّ القانون الدوليّ، وبالتالي ضدّ مستقبل آمن
عندما أكتب أنّ هذه المنظّمات تتصرّف ضدّ القانون الدوليّ، لا أعني أنّ أيّ انتقاد للأمم المتّحدة أو محكمة العدل الدوليّة غير مقبول. تحتاج المؤسّسات الدوليّة إلى المراقبة والإشراف والإصلاح إذا لزم الأمر.
ما أقصده هو أنّ بعض المنظّمات التي قمت بتوثيقها تعمل باستمرار ضدّ المؤسّسات والقواعد والمنظّمات التي تمنح القانون الدوليّ معنى حقيقيًّا. فهي تهاجم من يوثّقون الانتهاكات، ومن يموّلون التوثيق، ومن يقدّمون الأدلّة إلى المحاكم، والمؤسّسات التي تفحصها. وفي الوقت نفسه، تصف مجرّد المطالبة بالمحاسبة كتهديدٍ لأمن إسرائيل.
لكن إسرائيل لا تحتاج إلى الحصانة وإنّما تحتاج إلى حدود ومؤسّسات تخبر الحكومة متى تخالف القانون، ومتى تُعرّض المواطنين للخطر، ومتى تضحّي بالمستقبل من أجل نصر سياسيّ مؤقّت. القانون الدوليّ ليس عدوًّا لإسرائيل. إنه أحد الأطر القليلة التي يمكنها في الوقت نفسه حماية حق الإسرائيليّين في الأمن وحق الفلسطينيّين في الحياة والحرّيّة وتقرير المصير.
النضال ضد الأونروا يكشف التناقض. يروّج من يدّعي أنّه يعمل من أجل إسرائيل لتفكيك مؤسّسة تقدّم خدمات أساسيّة لملايين الناس وتخفّف من عدم الاستقرار في خمسة ميادين. أولئك الذين يدّعون تعزيز السلام يريدون محو حقوق اللّاجئين من النقاش قبل التوصّل إلى اتّفاق. أولئك الذين يدّعون الدفاع عن الديمقراطيّة يعملون على إضعاف منظّمات ومؤسّسات حقوق الإنسان التي تشرف على سلطة الدولة.
لماذا يجب أن يهمّ هذا القارئ الإسرائيليّ؟
يتناول التقرير ألمانيا، لكنّه يروي قصّة إسرائيليّة ويُظهر كيف أنّ الأفكار التي تولد في إسرائيل – أحيانًا على هامش اليمين الأيديولوجيّ – تتلقّى تمويلًا خاصًّا وتصبح لاحقًا وثائق سياسيّة، وتمرّ عبر المنظّمات الأوروبية، وتعود إلينا كموقف دوليّ ظاهريًّا.
هكذا تتكوّن الحلقة. تقدّم الحكومة الإسرائيليّة أو المنظّمات المرتبطة بها ادّعاءًا. تمنح منظّمة في الخارج ختم “المجتمع المدنيّ” أو “البحث المستقلّ” لهذا الادّعاء، فيتبنّاه سياسيّ أوروبيّ، فتقدّم إسرائيل هذا التبنّي كدليل على أنّ العالم قد اقتنع بالادّعاء.
يحتاج الإسرائيليّون أيضًا إلى فهم أنّ هذا اللوبي لا يمثّل بالضرورة مصالحهم، بل يمثّل تصوّرًا سياسيًّا معيّنًا لإسرائيل – عادةً قوميًّا، يركّز على الأمن، ويعارض المساءلة. يستثمر اللوبي موارد كبيرة في الدفاع عن سياسات الحكومة وإضعاف من ينتقدها، بدلًا من الترويج لحلٍّ يضمن الأمن والمساواة لكلا الشعبين.
يكشف التقرير شيئًا آخر – لا تأتي القوّة السياسيّة من الأرقام فقط، بل تنبع من المثابرة، والتخصّص، وإمكانيّات الوصول. يمكن لمجموعة صغيرة من المنظّمات أن تُحدث تأثيرًا كبيرًا إذا كانت تعمل لسنوات، وتقدّم المواد والتقارير والنصوص في الوقت المناسب، وتتحدّث بلغةٍ اعتاد صُنّاع القرار سماعها.
لذلك، لا أستنتج أنّه ينبغي إسكات اللوبي الإسرائيليّ، فبالتأكيد هناك مجال لضمان تطبيق قوانين الشفافيّة وتغييرها إذا لزم الأمر لمواجهة تحدّيات النفوذ الأجنبّي. ولكن قبل كلّ شيء، من الضروري بناء بنية تحتيّة مهنيّة وشفّافة ومتّسقة مكوّنة من باحثين، ومنظّمات حقوق الإنسان، وخبراء في الشؤون الإنسانيّة، وأصوات فلسطينيّة وإسرائيليّة نقديّة.
وهذا أيضًا ما حاولت البدء بفعله بالوسائل المتواضعة المتاحة لي. لم أحاول إنشاء معهد بحثيّ كبير بين ليلة وضحاها، وإنّما استحواذ جزء صغير من المساحة، والتوثيق، وربط النقاط، والتحقّق من الجهة التي تقدّم الادّعاء، ومن يموّلها، ومن يترجمها، ومن يحوّلها إلى سياسة. التقرير هو نتاج هذا العمل، لكنّه يقدّم دراسة حالة لموضوع واحد فقط في الخطاب الواسع جدًّا حول إسرائيل وفلسطين، وحول العشرات من المنظّمات المشارِكة فيه. لذلك، فهو أيضًا يُذكّر بحجم العمل الذي يجب القيام به.
طالما أنّ أحد الطرفين يأتي مستعدًّا ومُمَوّلًا ومنظّمًا، بينما يردّ الطرف الآخر متأخّرًا أو يبقى غير حاضر على الإطلاق، فلن يكون النقاش حرًّا حقًّا وسيبدو كجدال، لكنّه في الواقع سيُدار في ملعبٍ فارغٍ. وهذا الملعب ليس ألمانيًّا فقط. القرارات التي تُتّخذ في النقاش الألمانيّ تؤثّر على حياة الفلسطينيّين، وصورة أوروبا، وإمكانيّة عيش الإسرائيليين مستقبلًا في بلدٍ آمنٍ وديمقراطيٍّ وبسلام.